
زمانكم-
إعداد الدكتور عبد العزيز محمود/ أستاذ الأنثروبولوجيا في جامعة آل البيت
تشكل المواقع التاريخية والشواهد المعمارية المنتشرة في بيئة البادية الشمالية الأردنية دلالات مادية ورمزية لدى الجماعات الرعوية، وتزيدهم وعياً بأهمية المعالم الحضارية المنتشرة في بيئة البادية، وبحيوية الأماكن التي تتردد عليها تلك الجماعات.
هذه المعالم تمثّل حصيلة تفاعل تلك الجماعات مع المكان الذي انتهى بها المطاف للاستقرار فيه، وصارت بمرور الزمن مصادر لنوع من الذاكرة الجمعية لتلك الأماكن التاريخية.
وقد كشفت معطيات المسوحات الأنثروبولوجية الميدانية في البادية الشمالية عن تفاعل عدة عوامل ساعدت الجماعات الرعوية على الاستقرار، وشجعت عشائر البدو على التوطّن، منها عوامل بيئية-تاريخية، وأخرى مرتبطة بالمشاريع العمرانية والتنموية المبكرة التي تحققت في البادية في مطلع الثلاثينات من القرن الماضي.
بدأت العوامل البيئية- التاريخية تتفاعل منذ مطلع القرن الماضي (العشرين)، حين سعت القبائل البدوية وعشائر أهل الجبل (عشائر المساعيد والشروفات والعظامات والغياث والزبيد) وقبائل السردية والعيسى والسرحان والشرعة، إلى الاستقرار التدريجي في ربوع البادية الشمالية الأردنية، وفي مناطق جنوب سهول حوران بمحاذاة الحدود الأردنية – السورية.
حيث توفرت في تلك المناطق مصادر المياه والأراضي الزراعية المحيطة بالأودية الموسمية والشعاب، والمراعي الغنية بالأعشاب الرعوية، وكلها شروط بيئة ملائمة لنمط حياة البدو وعمادها الرعي وتربية الماشية وزراعة الحبوب الجافة.
وقد ساعدت، من ناحية أخرى، عوامل تاريخية على ترسيخ تجربة استقرار وتوطين البدو في مواضع دائمة، وذلك بفضل سياسات وإجراءات السلطة المركزية، التي فرضت القوانين الناظمة، وعقدت المعاهدات مع البدو كمعاهدة عام 1929م، ومعاهدة 1936م، التي تم بموجبها الإشراف على أحوال البدو، وتأسيس قوة البادية وحرس الحدود والسيطرة على الحدود الدولية، وإنشاء المخافر والمعسكرات في البادية، وتشجيع البدو على الانخراط في مؤسسة الجيش والأمن العام (قوات البادية).
مطلع الثلاثينات
أما العوامل المرتبطة بالمشاريع العمرانية والتنموية المبكرة في البادية، فقد تحققت مع مطلع ثلاثينات القرن الماضي، بعد مدّ خط أنابيب شركة بترول العراق (IPC)، وشق الطرق البرية الصحراوية، وتحسين مصادر وموارد المياه، وحفر الآبار الجوفية واستصلاح الأراضي الزراعية.
فقد سهّلت تلك المشاريع الإستراتيجية وشجعت انخراط السكان المحليين من البدو بالعمل فيها، والاستقرار من ثمّ في تجمعات سكانية ثابتة، وتأسيس القرى ومحطات الخدمات على طول الطريق الصحراوي الممتد من مدينة المفرق، حاضرة البادية الشمالية باتجاه بغداد شرقاً.

وبفضل تلك المشاريع المبكرة، ومع إطلالة سنوات الأربعينات من القرن الماضي، تأسست التجمعات السكانية والقرى على طول الطريق الصحراوي، بحيث أصبحت بمثابة معالم حضرية على الطريق الدولي، وزودتها المجالس المحلية بالخدمات التنموية، وتأسست فيها المدارس التي ترسخ بفضلها الاستقرار، وجذبت البادية وافدين جدداً للعمل والإقامة فيها.
فبلدة الرويشد الواقعة قرب الحدود مع العراق، وتبعد عن مدينة المفرق 195 كم، تعتبر من أكبر التجمعات السكانية في شرق البادية الشمالية، وإلى وقت قريب كانت تسمى الأجفور H.4، أي المحطة الرابعة على خط أنابيب النفط (كركوك- حيفا)، يليها من حيث الأهمية والحجم السكاني على الطريق الصحراوي بلدة الصفاوي، التي تقع على بعد 95كم شرق مدينة المفرق، وكانت تسمى الأجفايف H.5، أي المحطة التالية الخامسة على خط أنابيب النفط (كركوك – حيفا).
لقد اكتسبت الجماعات الرعوية خلال تنقّلها في البادية خبرة وتجارب في اختيار مواضع ملائمة للانتجاع والإقامة فيها، ومن هذه التجارب، الطريقة التي تم فيها بناء محطة استراحة (اليماني) على الطريق الصحراوي، على بعد 55 كم شرق مدينة المفرق.
حيث اختيرت بقعة أرض في موضع تتخلله الشعاب ومسايل المياه وتنمو فيه الأعشاب والشجيرات البرية، وبعد تسوية الأرض وتسويرها وزراعتها بالأشجار وحفر بئر ماء فيها، تم بناء محطة استراحة إلى جانب الطريق الصحراوي، وذلك في منتصف الخمسينات من القرن الماضي.
والمبنى عبارة عن كتلة معمارية مستطيلة الشكل (أبعادها 4×10م بارتفاع 4م) مبنية من حجارة البازلت متوسطة الحجم وشبه المشذبة، ويتكون البناء من غرفتين تفتحان من الداخل على بعضهما البعض، وتفتح كل غرفة باتجاه الشمال على الفناء الأمامي الذي يليه مباشرة الطريق الصحراوي.
ويلتحق بالبناء من جهة الجنوب حديقة خلفية، تحتوي على بئر الماء ومساطب للجلوس وصَفّ من الأشجار الحرجية مما يضفي على المكان جوّاً مريحاً.
وقد بناها السيد يحيى اليماني الوافد من منطقة (إب) في اليمن إلى البادية الشمالية كمحطة استراحة للمسافرين شرقاً على الطريق الدولي الصحراوي، واعتُبر المكان وقتذاك مكان جذب للإقامة والاستقرار، خاصة وأن الموقع يحتوي على مصدر ماء وهو ملتقى للإنسان والسيارات والمواشي، هذا وما زالت الروايات تستعيد ذكريات تلك الاستراحة الأليفة في بيئة البادية.
نقطة نقاش

المبنى الذي تحوّل مؤخراً إلى ورشة للميكانيك وخدمة زيوت السيارات، هو البناء الوحيد في تلك البقعة المبني من مادة البيئة المحلية أي من حجارة البازلت.
وهذا النموذج من البناء من حيث تأسيس موقعه وتاريخ نشأته ووظيفته، يعتبر مثالاً وتجربة عملية لإمكانية إقامة منشآت خدمية في المناطق التنموية النائية، كالمخازن التجارية والاستراحات والمطاعم الشعبية والورش الفنية باستخدام مادة البناء المحلية وفق نظام العمارة المناسب في البيئية التقليدية، وبتصاميم تراثية مبتكرة.
ونتيجة لحيوية المكان وبفضل المبنى وما أحدثته الاستراحة من جذب لمستقرين جدد من بدو المنطقة للإقامة وبناء المساكن في الموقع ابتداءً من مطلع الستينات من القرن الماضي، تأسست قرية نايفة، الذي يدل اسمها على علو الشأن، وهي اليوم قرية عامرة تسكنها عائلات من الشرفات والعظامات والمساعيد من عشائر أهل الجبل.